ابن ميثم البحراني
298
شرح نهج البلاغة
بني إسرائيل . والَّذين فرّوا منهم ارتحلوا إلى حدود المدينة كيهود خيبر وبنى قريظة والنضير ووادي قرى وقينقاع . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّه عليه السّلام أمر باعتبار حالهم وتأمّل أمرهم في حال تشتّتهم وتفرّقهم قبل بعثة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وفعل أعدائهم ما كانوا يفعلون كيف فرجّ اللَّه عنهم من تلك الشدائد بظهور محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لهم نبيّا . واعلم أنّ غايته عليه السّلام عن أمره باعتبار حال المؤمنين من الأمم الماضية قبلهم اقتدائهم في الصبر على المكاره ولزوم الألفة والاجتماع مع ذلك وانتظار الفرج به . وقوله : فما أشدّ اعتدال الأحوال . أي تساويها ، وأراد أنّ أحوالكم الشبه والمساواة لأحوالهم ، وكذلك ما أقرب اشتباه الأمثال : أي إنّ أحوالكم شديدة المماثلة لأحوالهم لأنّكم أمثالهم . وهو إشارة إلى وجه علَّة الاعتبار فإنّهم إذا كانوا أمثالهم واعتدلت أحوالهم وتشابهت أمورهم وجب اعتبار حالهم بحالهم ولذلك أتى بالفاء للتعليل . وقوله : تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم . إلى آخر الكلام . إشارة إلى حال شدّتهم ورخائهم لتنقل أذهان السامعين إلى إثبات تلك الحال لأنفسهم . فالماضون أصل ذلك الاعتبار ، والسامعون فرعه ، وحكم الأصل أحوالهم الخيريّة والشريّة ، وعلَّة ذلك الحكم كونهم أمثالا لهم . وقوله : ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم . أي مالكون لأمورهم يحتازونهم : أي كانت القياصرة يحتازون بني إسرائيل وبني إسحاق ، والأكاسرة يحتازون بني إسرائيل ويمنعونهم من أعمال العراق فصار الجميع مطرودا للجميع عن خضرة الآفاق وجنان الشام وبحر العراق . وأراد دجلة والفرات . وقوله : إلى منابت الشيح ومها في الريح . كنايتان عن البريّة وظاهر أنّها محلّ نكد العيش وضيقه كما وبّخهم عليه السّلام بوصف معاشهم في الفصول السابقة . ويختصّ الأكاسرة - وهو جمع كسرى - بملوك الفرس والقياصرة بملوك الروم وهو جمع على غير قياس . وكنّى بالدبر والوبر عن الجمال ، وفيه إيماء